نور الدين عتر

230

علوم القرآن الكريم

اختار في المعنى الأول صيغة اسم الفاعل صافَّاتٍ ، وفي المعنى الثاني الفعل المضارع يَقْبِضْنَ . ولو أنه قال : « قابضات ويصففن » لما فات التناغم الموسيقى الذي يتوهم بعض الناس فيه ما لا يجوز من الأوهام ، فما السر في هذا الاختيار للصيغة المختلفة في كل معنى من المعنيين ؟ إن الإعجاز العلمي الكامن وراء هذا التصوير هو الذي يكشف لنا سر هذا الاختيار . لقد عبّر القرآن عن بسط جناح الطائر في طيرانه باسم الفاعل صافَّاتٍ ، وعبّر عن قبض الطائر جناحه وضربه جنوبه بجناحيه بصيغة الفعل يَقْبِضْنَ ، ليأتي التصوير الفني في القرآن على غاية الدقة في موافقة قانون الطيران ، وذلك لأن الأصل في قاعدة الطيران هو بسط أطراف الجسم الطائر في الهواء ، وهو القانون الذي بنيت عليه الطائرات الحديثة بأنواعها ، ووجدت به رياضة الطيران الشراعي ، فجاء القرآن في تصويره للطيران بالتعبير عما هو طارئ بلفظ الفعل ، لأنه يفيد الحدوث وعبّر عما هو الأصل بصيغة اسم الفاعل ، أي أنهن في جو السماء صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة « 1 » . ومن التصوير بالجملة : قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ . وقد جاء التصوير في الجمل هنا بواسطة الاستعارة ، وهي استعارة قرآنية تعلو إلى أسمى مراتب البلاغة ، لا يصل إليها بيان إنساني قط ، إنما هو بيان القرآن فقط .

--> ( 1 ) باختصار وتصرف عن تفسيري الكشاف والنسفي وكتابنا محاضرات في تفسير القرآن ص 127 - 128 .